محمد بن علي الشوكاني
1334
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
وقال مجاهد ( 1 ) والكلبي ( 2 ) : سينين كل جبل فيه شجر مثمر . وقال الأخفش ( 3 ) : طور جبل ، وسينين شجر واحدته سينة . إذا تقرر لك أنه - سبحانه - أقسم في كتابه العزيز هذه المخلوقات المتنوعة تقرر لك أن المراد بالعصر هو الدهر كما قررناه ، ولا وجه لتقدير مضاف محذوف فيه ، ولا في سائر ما أقسم الله - سبحانه - به من مخلوقاته ، فإن الله - سبحانه - يقسم . مما شاء منها ، ولم يأتنا دليل ولا شبهة دليل أنه لا يقسم إلا . ما له شرف وبما فيه فضيلة ممن حرف المعاني القرآنية الواردة على نمط لغة العرب ، لأجل تحصيل شيء في المقسم به يصير به ذا شرف ، فقد أخطأ خطأ بينا ، وغلط غلطا واضحا ، فإنه تلاعب بكتاب الله - سبحانه - لخيال مختل ، وتعليل معتل ، وتوهم فاسد ، وفهم كاسد . فاعرف هذا ، وليكن منك على ذكر ، فكثيرا ما يقع لأهل العلم الوهم الباطل ، ثم يبن عليه ما هو أبطل منه ، وينقله عنه من يهاب الرد عليه ، [ 5 ب ] فيحرر في كتب التفسير ونحوها من زائف الأقوال ، وباطل الآراء ما يضحك منه تارة ، ويبكى منه أخرى . والتقليد وإحسان الظن بالأموات هو السبب لكل غلط ، والمنشأ لكل جهل ، والحامل على ترويج كل باطل . فإن قلت : قد أخرج ابن جرير ( 4 ) عن ابن عباس أنه قال في تفسيره العصر المذكور في هذه السورة أنه ساعة من ساعات النهار . وأخرج ابن ( 5 ) المنذر عنه أيضًا أنه قال : إنه ما قبل مغيسب الشمس من العشي . قلت : قد أخرج ( 6 ) ابن المنذر عنه أيضًا أنه قال إنه الدهر فجمع اختلاف الرواية عنه يرجح ما وافق المعنى اللغوي ، ويحمل ما خالفه على المجاز وقد كانت العرب تتجوز في لفظ العصر فيقولون مثلا : العصر الأول ، والعصر
--> ( 1 ) انظر هذه الأقوال وغيرها في " الجامع لأحكام القرآن " ( 2 ) انظر هذه الأقوال وغيرها في " الجامع لأحكام القرآن " ( 3 ) انظر هذه الأقوال وغيرها في " الجامع لأحكام القرآن " ( 4 ) ( 15 / ج 30 / 289 ) . ( 5 ) عزاه إليه السيوطي الدر المنثور ( 8 / 622 ) ( 6 ) عزاه إليه السيوطي في " الدر المنثور " ( 8 / 621 ) .